الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي
36
دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)
بوضوح وتفصيل ، ولا يكون لجعله تعالى إحياء فرد بعد الإماتة آية للناس ، بل يكون احياء أهل القرية آية للناس ؛ لكون احياء جمع كثير أدلّ على المقصود ، فعدم جعله تعالى إحياء أهل القرية آية كاشف عن عدم إحيائهم ، كما لا يخفى . ومن هنا قال البلاغي : « وأمّا عظام أهل القرية فلم يعرف إحياؤها » « 1 » . وأمّا الاحتمال الثاني - الّذي نقل أنّه تعالى أحيى رأسه وعينيه وكانت بقيّة بدنه عظاماً نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضمّ البعض إلى بعضها - ففاسد قطعاً ، وإن نقله أكثر المفسّرين ، وقال به قتادة وابنزيد والضحّاك . والوجه في فساده : أنّه لو فرض أنّه رأى عظامه نخرةً ، ثمّ كساها لحماً ، كيف أجاب بقوله : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ؟ وأنّ ظاهر القرآن لا يساعد على هذا القول أصلًا ، وظاهر الآية بل صريحها هو : أنّه تعالى أحياه ثمّ كلّمه بقوله تعالى : كَمْ لَبِثْتَ . وأجاب : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، وبعد ذلك أمره بالنظر إلى طعامه وشرابه وإلى حماره ، وآخر الأمر أمره بالنظر إلى العظام ؛ فهل يصحّ أن يكون الأمر بالنظر إلى العظام هو النظر إلى عظامه حين حياته وحين تكلّمه ؟ ! بل هذا احتمال بلا وجه ، وبلا توجّه إلى سياق الآية ، وهذا يتّضح بأدنى تأمّل . فبعد بطلان هذين الاحتمالين يبقى في البين الاحتمال الأول ، وأنّ المراد : عظام حماره ، فنقول : انّ الأمر بالنظر في الآية قد تكرّر في ثلاث مرّات : المرّة الأولى هو قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وهذا الأمر بلحاظ عدم تغيّر المنظور إليه . والمرّة الثانية وهو قوله تعالى : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ انّما هو بلحاظ أنّ الحمار قد مات وبلى .
--> ( 1 ) . آلاء الرحمن 232 .